بقلم: الدكتور سعيد اغزيل
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله
دراسة منوغرافية عبارة عن مجموعة من المذكرات حول مدينة تطوان منذ العصور القديمة إلى بداية القرن 20 عمل الدكتور عبد الحفيظ على تجميعها بكل أمانة ، و هي موجز تاريخي حسب جولي أكثر منها دراسة تاريخية حيث طغى بشكل واضح على عمل صاحب المذكرات الطابع السوسيولوجي شكله العام علمي لكن سياقه السوسوسياسي عنوانه السوسيولوجيا الكولونيالية الفرنسية.
هذا التجميع لما كتب جولي من مذكرات أفرز لنا مؤلفا ضخما يقارب ألف صفحة انصب حول مدينة تطوان . و هذا النمط من المذكرات يذكرنا بأخرى كما هو الشأن مثلا بمذكرات منوغرافية شبيهة لها سبقت جولي أو أتت بعده حول على سبيل المثال طنجة و منطقتها و وزان و القصر الكبير … و التي سهرت عليها إدارة الشؤون الأهلية و مصلحة الاستعلامات – الشعبة السوسيولوجية تنسيق ميشو بلير .
هذه المذكرات هي عبارة عن تجميع لبيانات و معلومات متعددة الأصناف حول مدينة تطوان إضافة إلى كونها بحوث ميدانية و تنقيبات وثائقية و أركيولوجية جمعت بين ما هو سوسيولوجي و أنتربولوجي و تاريخي.
و كقراءة أولية حول المحاور الكبرى لمحاور هذه المذكرات نقول:
- خصص القسم الأول لموقع المدينة و محيطها حيث قسمه إلى 5 محاور تناول خلالها الموقع الجغرافي و الطبوغرافي للمدينة و مداخل المدينة و محيطها ، أسوارها ، أبوابها مع وصف أحيائها و ساحاتها و معالمها العامة بحيث وصفها وصفا دقيقا فيما يقارب 95 صفحة مقرونة بمجموعة من الرسوم التخطيطية.
- القسم الثاني خصصه لتاريخ المدينة مع التذكير منذ البداية أن ما يقدمه هو فقط لمحة تاريخية حول المدينة
و ليس تأريخا للمدينة (aperçu historique) بحيث نبه إلى أنه سوف لن يقتصر على الأحداث التي مرت منها المدينة بل هدفه محاولة إعادة بناء جدول حياتها الداخلية من حيت بنيتها الإدارية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و هو الشق الأكثر أهمية منتقدا ما قدمه الإخباريون المسلمون و الكتاب الأوربيون الذين ركزوا على التاريخ العام للمغرب في بعده الدبلوماسي و أحيانا التجاري منبها إلى أن المدن المغربية عاشت منذ القديم نوعا من الحياة الخاصة كجزء خاص من كل، و هو ما استدعى استحضار التاريخ لفهم ذلك. و قد قسم هذا القسم إلى 9 محاور تناولت البعد الإتيمولوجي للتسمية و تاريخ تطوان منذ ما قبل التاريخ و التاريخ القديم ، و تطوان بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية ثم أتبعها بتطوان خلال العصر الوسيط و تطوان ما بين القرن الخامس عشر و التاسع عشر. ثم تناول في محور منفصل علاقة تطوان مع أوربا ما بين القرن 17 و 18 عشر في بعدها الاقتصادي، ليتوقف في المحور التاسع على تاريخ المدينة من بداية القرن 19 إلى مطلع القرن 20 حيث أفرد له 11 عشر فصلا مقسما إياه إلى ثلاثة مراحل :
* المرحلة الأولى : تناول خلالها أهم الأحداث التي عرفتها تطوان قبل حرب تطوان و ذلك في الفصل الأول.
* المرحلة الثانية : ركز خلالها على حيثيات حرب تطوان في الفصل الثاني بحيث يعتبر بحق مرجعا مهما غطى هذه الحرب معتمدا على مصادر مختلفة و مادة توثيقية مهمة ، و قد مكنه تنوع لسانه اللغوي من الإحاطة بها و إدراجها ، فخصص فصلا لأسباب و دواعي الحرب و سياقها .
* المرحلة الثالثة : الحرب الإسبانية المغربية كما سماها كعنوان لهذه المرحلة و تضمنت ما تبقى من الفصول الثمانية و هي التمهيد للحرب ثم التمركز حول سبتة و أهم المعارك بمحيط المدينة فتحرك القوات الإسبانية من سبتة في اتجاه مارتين كما سماها، ثم أهم العمليات العسكرية بحوز – سهل تطوان فدخول القوات الإسبانية تطوان و تجاوزها إلى محيطها في اتجاه وادراس و طنجة إلى التوقيع على اتفاقية الصلح 27 أبريل 1860. ثم خصص ما تبقى من فصول هذا القسم لملاحظات و تداعيات حرب تطوان العسكرية و النفسية و الدبلوماسية و ما أعقب ذلك من أداء تعويضات الحرب لينهي هذا القسم بالفصل الأخير و هو الحادي عشر خصصه لأهم الأحداث و الأوضاع الداخلية التي عرفتها تطوان بعد احتلالها و بعد انسحاب القوات الإسبانية و ما خلفته هذه الأحداث من آثار نفسية و عمرانية و عسكرية _تحصينات_ مع أواخر القرن 19 و أنقل عنه قوله في ص: 698 : “تحمل تطوان في قلبها بصمة لا تُمحى لهزيمتها وللغزو الأوروبي، الذي بدأ بالقوة واستمر بالسلام: لن يمحوها شيء”.
- القسم الثالث : حول الصناعة بتطوان بدأه بمعلومات عامة حول تبرير التقسيم الذي تبناه لهذا القطاع ولتحديد خصوصيات هذا القطاع من جهة و تفضيل القيام بجرد عام تفاديا للسقوط في الانتقائية ليخلص إلى تقسيم تحكم في فصول هذا القسم. و بدأه بصناعة الجلود ثم الخزف و السيراميكا و صناعة المعادن و الخشب و البناء و صناعة النسيج و الصناعة الغذائية إضافة إلى الصناعة المرتبطة بالصيد البحري و باقي المهن الصغرى الأخرى من قبيل مجلدي الكتب، صانعي الأغمدة، السروج، الطبول، النقاشين على المعادن، صانعي الغربال، الخراطين، صانعي القبعات، صانعي الصنادل، المُصلحين، صناعة الحرير، حفاري الآبار، صناعة البارود، التبغ، تدخين الكيف، الأساور، الحُلي، الشموع، الشمع، الصابون، إلخ. هذا مع القيام ميدانيا بتحديد تموضعها في المدينة من خلال الأحياء التي تمثلها و الشرائح الاجتماعية المزاولة لها و كيفية انتظامها مهنيا.
- القسم الرابع : خصصه لحصار تطوان من قبل قبائل جبالة ما بين 1903 و 1904 حيث عاصرها و أشار إلى أحداثها و وضعها في سياق الاضطرابات العامة التي عرفها المغرب مع أواخر سنة 1901 و بداية 1902 حيث مارست قبيلة بني يدر أعمال اللصوصية ثم تطورت الأحداث من جراء إلقاء القبض على أحد أفرد القبيلة بالمدينة و إصابته ببندقيته لأحد السكان لتتداعى الأحداث مسرعة بحيث شكلت مادة دسمة لدعم أطروحة مغرب المخزن و مغرب السيبة مع تحول الصراع إلى مواجهة بين القبائل المجاورة خاصة بني يدر و أنجرة و المخزن. و ذاع صيت الدواس الذي قاد الحصار على المدينة و ما أعقب ذلك من تداعيات. و بالمناسبة اعتمد المرحوم محمد داود صاحب موسوعة تاريخ تطوان بشكل كبير على هذه المذكرات للتأريخ لهذه المرحلة من تاريخ المدينة، لتنتهي المذكرات بجملة استوحاها الكاتب من التراث المغربي تقول: “لم يجف الدم المراق بعد”.
ختاما:
ما قدمه الأستاذ الفاضل عبد الحفيظ حمان مشكورا من تجميع لهذه المذكرات في طبعة أنيقة من 3 أجزاء و الشكر موصول هنا أيضا لمؤسسة امحمد أحمد بنعبود يعد عملا متميزا من عدة أوجه:
- تجميع النص و تقديمه ميسرا للباحثين و المؤرخين هذا لوحده كاف لتقديم الثناء لصاحبه
- الحرص على تقديم هذا العمل المنوغرافي بدون تدخل من المؤرخ و ترك النص على أصله لإخراجه من دائرة النسيان كما أشار إلى ذلك في المقدمة التي وضعها للكتاب.
- فتح شهية الباحثين لتناول جوانب من الحياة الاجتماعية لتطوان و جهة الشمال عموما و التي ما تزال الأبحاث في هذا الصدد قليلة و تعد على رؤوس الأصابع.
- سن سنة حسنة مفادها إخراج المذكرات إلى حيز الوجود حتى يتيسر الاطلاع عليها كل حسب تخصصه مما سيغنى البحث التاريخي خاصة و البحث العلمي عامة . ألم تبدأ النهضة الفكرية في أوربا مع إرازم و غيره بعمل قام أساسا على تخريج و إخراج المخطوطات و الكتابات من دائرة النسيان و الإهمال و تسهيل الوصول إليها خاصة بعد اختراع المطبعة ؟

تعليقات الزوار ( 0 )