انعقدت بالدار البيضاء خلال الفترة 25- 27 نونبر الجاري، أشغال الدورة الثالثة للمنتدى الدولي للصحة الرقمية، في موضوع “من الرؤية إلى التأثير: النهوض بالصحة الرقمية للجميع”، والمنظمة من قبل مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة ومركز الابتكار في الصحة الإلكترونية التابع لجامعة محمد الخامس، بشراكة مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

وقد استهدفت الدورة تمكين المشاركين من “فرصة اكتشاف أحدث التطورات التكنولوجية في مجال الصحة الرقمية، وتعزيز التواصل بين المهنيين الصحيين والمبتكرين التكنولوجيين والمستثمرين وصناع القرار العام، وتشجيع التبادلات البناءة حول مستقبل الصحة الرقمية في المغرب وإفريقيا”، وستتناول المناقشات مواضيع عدة “مثل الذكاء الاصطناعي في الطب الشخصي، وقابلية التشغيل البيني لأنظمة الرعاية الصحية، والتقنيات المتصلة والقابلة للارتداء للصحة والأداء الرياضي، فضلا عن السيادة الرقمية والأمن السيبراني لبيانات الصحة”.

إن هذه المبادرة تكتسي أهمية حيوية ذات أبعاد متعددة، فيُحسب لها أولا انتظام الانعقاد، وثانيا ما تحققه من إشعاع دولي لبلادنا، وثالثا تناولها لموضوع ذي راهنية مرفقية هو موضوع الصحة الرقمية. ويحسب بصفة خاصة لمركز الابتكار في الصحة الإلكترونية التابع لجامعة محمد الخامس، أحد شركاء هذه التظاهرة العلمية الرفيعة، إطلاقه لهذه الدينامية بإصداره سنة 2022 “الكتاب الأبيض حول الصحة الرقمية في المغرب: حقائق، رهانات، ورافعات للتنمية” “Livre blanc sur la e-santé au Maroc: Réalités, enjeux et leviers de développement “، والذي قُدّم للرأي العام في لقاء صحافي يوم 07 أبريل 2022.

إن انعقاد الدورة الثالثة للمنتدى الدولي للصحة الرقمية، لهي مناسبة لمطارحة مجموعة من القضايا التي تعني ورش الصحة الرقمية بالمغرب، والتي شكل الكتاب الأبيض المشار إليه محاولة تشخيصية محترمة لوضعيته، ومن جملة القضايا والانشغالات التي يوحي بها السياق أربع نقاط جوهرية فيما يلي بيانها:

 * لعل من المكتسبات التشريعية لمنظومة الصحة الرقمية الوطنية، اعتماد القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية سنة 2022، حيث نصت المادة 29 منه على إحداث نظام معلوماتي مندمج يحمل اسم «الملف الطبي المشترك»، يُمكّن من تحديد مسار العلاجات الخاص بكل مريض وتتبعه وتقييمه. وتفعيلا لهذا المقتضى التشريعي، أمضى كل من وزير الصحة والحماية الاجتماعية، والوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، والمدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمدير العام لوكالة التنمية الرقمية، اتفاقية إطار للشراكة يوم 2024/02/02، رامت “تحديد إطار الشراكة والتعاون بين الأطراف الموقعة عليها، وتبسيط وتسهيل المتابعة الطبية، وكذا تنسيق العلاجات بين مهنيي الصحة، وتيسير إجراءات استرداد تكاليف الرعاية الطبية للمريض، (…) بالإضافة إلى استخدام هذه الحلول من قِبل المرضى ومهنيي الصحة من خلال تطبيقات أو بوابات إلكترونية مخصصة.(…). وتهدف هذه الحلول (…) إلى توفير الولوج السلس إلى ملفاتهم الطبية عبر الملف الطبي المشترك، وتبسيط إدارة طلبات الأداء عبر ورقة العلاج الإلكترونية، (…) كما تتوخى هذه الحلول تعزيز جودة التكفل والرعاية الصحية من خلال وضع نظام تنسيق رعاية مثالي يتيح تسهيل وصول المهنيين الصحيين إلى المعلومات الطبية الكاملة للمرضى”.

غير أنه منذ تاريخ توقيع الاتفاقية المذكورة، أي قبل 21 شهرا، لم يُكشف بعد للعموم عن الخطوات العملية التي بلغها إعمال الاتفاقية المذكورة. فما يزال المرضى يتأبطون ملفاتهم الطبية غدوا ورواحا بين عيادات الأطباء ومختبرات التحاليل الطبية ومراكز الفحص بالأشعة والصيدليات، ونقط إيداع تلك الملفات لتوجيهها إلى منظمات الاحتياط الاجتماعي، وهي النقط التي تسجل غالبا حالات ازدحام شديدة ينوء بثقلها المرضى.

 * إن معاناة زبناء الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي أشد وأقسى، من معاناة نظرائهم المنخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فيما يخص تدبير الملفات المرضية. وقد توخت السلطة التنفيذية معالجة الازدواجية المؤسساتية لأنظمة الاحتياط الاجتماعي، بإدماج الصندوق الأول في الصندوق الثاني المشار إليهما، وذلك بتقديم مشروع القانون رقم 54.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 65.00 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض وبسن أحكام خاصة، إلى البرلمان، حيث أحيل على مجلس المستشارين في 2024/11/27 والذي اعتمده في 2025/07/08، ثم أحيل على اللجنة المختصة بمجلس النواب في 2025/07/11.

ولوضع حد لتلك المعاناة، فإن المشرّع مدعو إلى التعجيل باعتماد مشروع القانون المذكور الذي مكث إلى اليوم في البرلمان سنة كاملة، والجهازُ التنفيذي مدعو إلى استباق صدور القانون بتوفير شروط الملاءمة المؤسساتية الضرورية بأكبر سرعة ممكنة، لما في ذلك من الأثر الإيجابي المرجو على حياة المؤمنين.

 * إنه بالقدر الذي تتطور فيه التكنولوجيا الرقمية بسرعة مذهلة، بالقدر الذي نلحظ عموما بطأ أو تباطؤا لدى المدبرين العموميين في الاستثمار الأمثل لإمكانات تلك التكنولوجيا لتطوير تدبير السياسات. ولعل من أبرز الفرص المتاحة اليوم لتطوير الطب الجراحي الرقمي ما توفره تقنية الجيل الخامس للاتصالات (5G) من مُكْنة تقنية مشهود بها، مما يستدعي إطلاق ذلك الورش في سياق سعي بلادنا لتملك تلك التقنية على الأقل في المدن الكبرى؛

 * لقد أفادتنا محنة كوفيد-19 منحا عظيمة، منها ضرورة معالجة الفجوات الكبيرة التي تعتري منظومة السياسات العمومية التي كشفت عنها تلك الأزمة الصحية، واليوم يبرز مظهر آخر من مظاهر السير بسرعتين. ففي الوقت الذي نشهد فيه الاهتمام المؤسساتي الذي تحظى بها منظومة الصحة الرقمية بالمغرب، كما يؤشر على ذلك الإسهام الذي يوفره الانعقاد السنوي للمنتدى الدولي للصحة الرقمية، فإنه في المقابل لا نشهد مبادرات مماثلة تتعلق بالتعليم الرقمي أو بالعدالة الرقمية أو بغيرهما، وما يزال الانتقال الرقمي لقطاعي التعليم والعدالة -لأسبقيتهما ومركزيتهما- يثيران العديد من الملاحظات رغم المنجز الذي لا ينكر. ولعل أحد المداخل الهامة للمقاربة الوضعية الرقمية للقطاعين المذكورين هو التداعي إلى مأسسة حوار وطني منفصل بشأن كل واحد منهما، يكون فضاءً لكل الفاعلين والمهتمين والباحثين لمطارحة التحديات المحيطة وبحث الرهانات القائمة؛

سليمان العمراني

sl.elomrani@gmail.com